الخطبة الأولى:
الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ المعبودِ الحقِّ على الدَّوامِ، ذي الجلالِ والإكرامِ، يُحبُّ عبدَه إذا وحَّدَه واستقامَ، ويُحبُّ الطاعةَ في كلِّ العامِ، ويُبغِضُ من عبدِه أن يرجِعَ من الطاعةِ إلى ارتكابِ الآثامِ، وأعدَّ للمُتَّقينَ الجَنَّةَ دارَ السَّلامِ، وأعدَّ لهم فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قلبِ أحدٍ من الأنامِ.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، هي العُروةُ الوُثقَى بلا انفِصامٍ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه سيِّدُ ولدِ آدمَ والقُدوةُ الإمام، وخيرُ من عبدَ اللهَ حتى أتاه الموتُ الحُمامُ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أزكى صلاةٍ وأتمَّ سلامٍ، ورضِيَ اللهُ عن آلِه الأطهارِ الأعلامِ، وصحابتِه الأبرارِ الكرامِ.
أمَّا بعدُ: فيا أهلَ الإسلامِ، ودَّعتُم قبلَ أيَّامٍ قلائلَ، هي أقلُّ من عشرٍ، شهرًا هو خيرُ شهرٍ، فيه ليلةُ القَدرِ التي هي خيرٌ للمؤمنِ من كلِّ العُمرِ.
كنتم في نهارِه صُوَّامًا، وفي ليلِه قُوَّامًا، مصاحفُكم منشورةٌ، وأخلاقُكم حسنةٌ مذكورةٌ، أفئدتُكم للهِ شاكرةٌ، وألسنتُكم للهِ ذاكرةٌ، وأعمالُكم في الخيرِ دائرةٌ، وأعضاءُكم للمعاصِي هاجرةٌ.
ودَّعتُم موسمًا من مواسمِ المُتاجَرةِ، وهي خيرُ مُتاجَرةٍ، إنَّها التِّجارةُ التي لا تَبورُ، إنَّها المُتاجَرةُ مع اللهِ.
وإنَّ التاجرَ الأريبَ، والمُتاجِرَ اللبيبَ إذا انتهى من موسمٍ من مواسمِ المُتاجَرةِ، ينظُرُ في عملِه في ذلك الموسمِ ليعرِفَ أوجُه الإحسانِ ليستمرَّ عليها، ويعرِفَ أوجُه التقصيرِ ليجتنِبَها فيما يأتي من المواسمِ، ثم ينظُرُ في ربحِه في ذلك الموسمِ من أوجُهٍ ثلاثٍ:
- أمَّا الأوَّلُ: فمن جهةِ تثبيتِ الرِّبحِ، وأنتَ يا عبدَ اللهِ وقد تاجرتَ مع اللهِ في شهرِ رمضانَ بحاجةٍ إلى أن تُثبِّتَ رِبحَك في ذلك الشَّهرِ، وذلك بأن تكونَ خائفًا من ألَّا يتقبَّلَ اللهُ عملَك لسوءِ ظنِّك بنفسِك، وأن تكونَ راجيًا أن يتقبَّلَ اللهُ عملَك لحُسنِ ظنِّك بربِّك.
وذلك يدفعُك يا عبدَ اللهِ لتكونَ من المُسارعينَ في الخيراتِ، وألَّا تغترَّ بما قدَّمتَ في رمضانَ، ويجعلكَ يا عبدَ اللهِ سائلًا ربَّك أن يتقبَّلَ منك ما قدَّمتَ.
يقول اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}.
سألتْ أُمُّنا عائشةُ رضي اللهُ عنها رسولَ الله ﷺ عن هذه الآية: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أَهُمْ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟. فقال ﷺ: (لا يَا ابنة الصِّدِّيقِ، إنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَيَخَافُونَ أَلَّا يُتَقَبَّلَ مِنْهُم، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ).
وقد كان سَلَفُنا الصالحُ رضوان الله عليهم يدعون الله كثيرًا طويلًا بعد شهر رمضان أن يتقبَّل الله منهم أعمالَهم في رمضان.
- وأمَّا الوجهُ الثاني: يا عبادَ اللهِ فهو ألَّا يُتبِعَ ذلك الموسمَ بصفقةٍ خاسرةٍ تُذهِبُ ذلك الرِّبحَ أو تُنقِص ذلك الربح.
وأنتَ يا عبدَ اللهِ قد تاجرتَ في شهر رمضانَ، وقد نهاك اللهُ عزَّ وجلَّ عن أن تُبطِلَ عملَك فقال: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}. وقال سبحانه: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا}.
وكان نبيُّنا ﷺ يستعيذُ بالله من الحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ، أي: من نقضِ الخيرِ بعدَ إثباتِه، ومن العودةِ إلى الفسادِ بعد الإصلاحِ، ومن العودةِ إلى المعاصي بعد الطاعةِ.
أنت يا عبدالله احرص على ألا تُتْبِعَ تجارتك في شهر رمضان بما يُذهبُ أجرَك، أو بما يُنقِصُ أجرك، وذلك يا عبدالله بأنْ تحرص على التوحيد، وأن تحذر الشرك كلَّه، وأنْ تستمر من المُصلِّين، وأنْ تحذَرَ من ظُلْم الناس؛ فإن النبيَّ ﷺ قال لأصحابه يوما: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم ولا متاع. قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)
- وأمَّا الوجهُ الثالثُ: يا عبادَ اللهِ فهو الحرصُ على أن يُتبِعَ الموسمَ بتِجارةٍ في بقيَّةِ الأيامِ تُقوِّي الرِّبحَ وتزيدُه، وأنتَ يا عبدَ اللهِ وقد تاجرتَ في شهرِ رمضانَ احرِصْ على أن تستمرَّ على الطاعةِ بعد رمضانَ، {واعبُدْ ربَّك حتى يأتيَكَ اليقينُ}، وكان نبيُّك ﷺ إذا عملَ عملًا أثبَتَه، وكان يُحبُّ العملَ إذا داومَ عليه صاحبُه، وأخبرَنا ﷺ أنَّ (أحبَّ العملِ إلى اللهِ ما داومَ عليه صاحبُه وإن قَلَّ).
فاجعلْ لك من أعمالِك في رمضانَ نصيبًا في بقيَّةِ العامِ: اجعلْ لك من الصيامِ نصيبًا، ومن القيامِ نصيبًا، ومن قراءةِ القرآنِ نصيبًا، انظر يا عبدالله في مصحفك بعد رمضان هل تحرَّك خيطُه أم بقي على ما كان عليه آخر رمضان، اجعل لك من قرآنك نصيبا، واجعلْ لك من الصَّدقةِ نصيبًا، واستمرَّ على الخيرِ حتى تلقَى اللهَ وأنتَ على خيرٍ.
ومن جعل أيامَه في الدنيا كأيام رمضان، جعل اللهُ أيامه في الآخرة أعياداً وأفراحاً.
تقبَّل اللهُ من الجميع.
أقولُ ما تسمعونَ، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه؛ إنَّه هو الغفورُ الرَّحيمُ.
.
.
.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ وحده، والصَّلاةُ والسَّلامُ على من لا نبيَّ بعده.
أمَّا بعدُ: فيا عبادَ اللهِ، إنَّ اليهودَ الغاصبينَ في فلسطينَ قد زاد طُغيانُهم وبغيُهم واعتداؤُهم على المُستضعَفينَ، واعتداؤُهم على مسجدِنا الأقصى.
وإنَّ من حقِّ إخوانِنا يا عبادَ اللهِ أن نتألَّمَ لألمِهم، فإنَّ نبيَّنا ﷺ قال: (مَثَلُ المؤمنينَ في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم مثلُ الجسدِ، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحمَّى).
ومن حقِّ إخوانِنا علينا يا عبادَ اللهِ أن ندعوَ لهم، وأن نُمدَّهم بما يُخفِّفُ عنهم معاناتِهم بالطرقِ الرسميةِ المعتمَدة، وأن نحذرَ من الذين يجمعونَ الأموالَ باسم قضيَّةِ فلسطينَ بعيدًا عن القنواتِ الرسميةِ.
وعلينا يا عبادَ اللهِ أن ننصُرَ قضيَّتَنا بأن ننصُرَ ربَّنا في أنفسِنا، بأن نُحقِّقَ التوحيدَ، وأنْ نُحسِنَ تديُّنَنا، ونُحسِّنَ أخلاقَنا، وأن نتمسَّك بسنَّةِ نبيِّنا ﷺ، فإنَّه لا عزَّةَ لنا ولا قوَّةَ لنا ولا رفعةَ لنا إلا بذلك {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ}.
وعلينا يا عبادَ اللهِ أن تكون مواقِفُنا نابِعةً من الدَّليلِ والحِكمةِ، وأنْ تكون تابعةً لما يُوجِّهُ به علماؤُنا الأكابرُ فإنَّ المرجعَ العلميَّ في قضايا الأمَّة هم العلماءُ الأكابر.
ولتكن مواقِفُنا متوافقةً مع مواقِفِ وُلاةِ أمرِنا، فإنَّ النَّظرَ في المصالحِ العامَّةِ وفي قضايا الأمّة إنَّما هو لولاةِ الأمرِ.
وولاة أمرِنا في بلدنا هذا يسيرون على منهجِ الملكِ المؤسِّسِ عبد العزيز رحمه الله، إذ قال: [إنني رجلُ أفعالٍ ولستُ رجلَ أقوالٍ، فلا شعاراتٍ زائفةً ولا أقوالًا كاذبةً خاطئة، وإنَّما هي أفعالٌ صادقةٌ ونصرةٌ ناطقةٌ].
وعلينا أن نثِقَ في وُلاةِ أمرِنا وهم أهل للثقة، ولتكن هذه الثقةُ صخرةً تتحطَّمُ عندها مُخطَّطاتُ الأعداءِ والحاسدين وتربصات المُتربِّصين ببلادنا ، وأراجيف المُرجفين، وأكاذيب المُزخرفين المُزَيِّفين للحقائق.
علينا عباد الله أن نعرف أن المنهج الشرعي هو ما ذكرتُه في هذا المقام، وعلينا أن نتمسك بذلك، وعلينا أنْ نحذَر من المتاجرين بقضايا الأمَّة لتحقيق أهدافهم الحزبية لا لنُصرة القضية، فلا نستمع لقنواتهم، ولا نتابع أُطروحاتهم، ولا نصدّق أراجيفهم.
نصر اللهُ إخواننا المستضعفين، وطهَّر فلسطين، وجزى ولاة أمرنا خيرا عنا وعن فلسطين وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء.
عبادَ اللهِ: إنَّ من حقِّ نبيِّكم ﷺ عليكم أن تُصلُّوا عليه وتُسلِّموا كلَّما ذُكِرَ، وأن تُكثِروا من الصلاةِ والسَّلامِ عليه في يوم الجمعة وفي ذلك خيركم وبركاكم تُفرَّجُ به هُمومُكم، وتُغفَرُ به ذنوبُكم، وتُرفَعُ به درجاتُكم، وتُزاد به حسناتُكم.
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
فاللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وباركْ وأنعِمْ على حبيبِنا ونبيِّنا وقُرَّةِ أعينِنا محمدٍ، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ....