الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أما بعد:
فإن الأمن في الأوطان من أجَلِّ نعم الله على عباده بعد نعمة الإسلام، لأن الناس إذا استقر أمنهم ازدهرت دنياهم، وصلحت أحوالهم، وأقاموا شعائرهم ، ولعظَمِ شأن الأمنِ سبق الرزقَ في دعاء إبراهيم عليه السلام حين قال: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [البقرة: 126]
ونوّه النبي ﷺ بنعمة الأمن حين جمع نِعَمَ الدنيا في ثلاث خصال فجعل الأمن أحدها فقال ﷺ : ” مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ” رواه الترمذي وحَسّنه.
والنعم إنما تقيد بالشكر ونحن بحمد الله نعيش في أمن وطمأنينة واستقرار لا مثيل له، فلنحافظ على نعمة الأمن بشكر الله عليها بفعل طاعته واجتناب معصيته، لنظفر بالمزيد من الأمن والرخاء والاستقرار مصداقاً لقوله تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم: 7]
ومن أسباب الحفاظ على الأمن اجتنابُ كلِّ ما يُخلُِّ به، مما يثير الخوف والقلق ، ويورث الشكوك وسوء الظن، من نشر الشائعات والأخبار المزيفة، والمعلومات المضلِّلة، فإن الواجب على المسلم أن يتحرى فيما يتكلم به أو ينشره في وسائل التواصل الخاصة والعامة فلا ينشر إلا ما يعلم صدقه، ولا ينشر إلا ما في نشره مصلحة، ولا ينشر شيئاً يضر بوطنه وقيادته ورجال أمنه أو يؤثر في تماسك أفراده، فإن الكلمة مسؤولية عظيمة، قال ﷺ محذراً من تحديث المرء بكل ما سمع :” كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ” وفي رواية “كفى بالمرء إثماً” يعني لو لم يكن عنده من خصال الشر إلا هذه الخصلة لكفى بها في هلاك صاحبها في النار.
إخوة الإيمان:
إن من الهدي الشرعي الذي ينبغي العناية به لا سيما عند وقوع الأحداث الكبيرة التي يتأثر بها أمن الوطن واستقراره أن يكف المسلم لسانه عما لا يعنيه، وليس من اختصاصه، وأن يتأنى في نشر ما يسمع من الأخبار، وأن ينشغل بما يعنيه مما فيه صلاح دينه وصلاح معاشه وحياته.
قال ﷺ (إن الله كره لكم قيل وقال) وقال ﷺ “مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ” رواه الترمذي وصححه الألباني.
وينبغي أن يُعلم أن الخوض في القضايا العامة التي هي من اختصاص ولاة الأمور ومن كُلِّفوا بها من قِبَلِه هو من صفات المنافقين، وضعفاءِ الإيمان فقد وصف اللهُ حالَهم فقال: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) ثم بيَّن سبحانه وتعالى ما ينبغي على أهل الإسلام أن يكونوا عليه فقال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، ومعنى ذلك أن قضايا السياسة والسِّلْم والحرب لا تتقدم الرعيةُ فيها ولاةَ الأمر، ولا يخوضُ فيها مَن ليس من أهل الاختصاصِ الـمُوكَلِ إليهم النظرُ فيها.
عباد الله:
ومما نحفظ به أمننا اجتنابُ تصويرِ المواقعِ الممنوعُ تصويرُها من المنشآت والإدارات والنقاط الأمنية وغيرها، وكذلك الحذر من تصوير ما قد يقع من آثار استهدافٍ أو آثار تصدٍ لعدوان، فإنه هذه المقاطع منها ما هو كذب يراد به الترويع والتخويف، ومنها ما يراد به الإرجاف وإضعاف ثقة الرعية في قيادتها وجيشها ورجال أمنها، فنشرك لهذه المقاطع ولو بحسن نية هو إسهام منك في خدمة العدو وتحقيق أهدافه، وتيسير سبل بغيهِِ وعدوانه.
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
.
.
.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله ، وأكثِروا من الدعاء والابتهال لا سيما في هذا الشهر الكريم بأن يحفظ الله بلادنا من كل سوء وأن يحفظ ولاة امورنا بحفظه وأن يمدهم بعونه ونصره، وأن يحفظ جنودنا ويثبت أقدامهم وأن ينصرهم على عدوهم. مع الدعاءِ لعمومِ بلاد المسلمين بالأمن والرخاء والاستقرار، فإنّ الدعاءَ سلاحٌ عظيم لا يستهين به وبأثره إلا من نقص حظُّه من العلم أو الإيمان,
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمِنا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين. اللهم وفِّق إمامنا وولي عهده بتوفيقك، وأيدهم بتأييدك، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا عزيز، اللهم أمّن حدودنا، وانصر جنودنا، وثبت أقدامهم، وسدد رميهم يا رب العالمين، اللهم من أرادنا بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله صحبه أجمعين.