الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله المبدئ المعيد، ذي العرش المجيد، هو الرقيب الشهيد. قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه يقلبها كما يريد، من أحبه وكان معه هو السعيد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حقه على عباده التوحيد، وتوحيده جنة في الدنيا، من دخلها دخل جنة الآخرة، وله المزيد، يبعث عباده يوم القيامة، فمنهم شقي وسعيد.
وأشهد أن محمداً نبيه ورسوله، عبد الله العبيد، صلى الله عليه وسلم صلاة وسلاماً دائمين مزيدين ما تعاقب الجديد والجديد، ورضي الله عن آله وأصحابه، أهل التقى والحال الرشيد.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}.
واعلموا أن دنياكم مهما طالت قصيرة، وأن متاعها مهما كثر قليل، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور.
أما بعد، فيا عباد الله: إن طلب السعادة أمر فُطر عليه الإنسان، فيطلبها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير.
وقد تنوعت طرق الناس في طلب السعادة، فمن الناس من ظن أن السعادة في الأسفار والتنقل بين الأمصار، فيظل طول عمره ينتقل من بلد إلى بلد، لا تهنأ به زوج ولا ولد، لا غرض له من السفر سوى طلب السعادة، وما يدري المسكين أنه يتنقل في قطع العذاب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله).
ومن الناس من ظن أن السعادة في تكفير الأموال والأولاد، فينغمس في ذلك ويلهو بذلك عن ذكر الله وعن بقية دنياه، ويغفل عن قول ربنا سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله. ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون}.
فيظل لاهياً بذلك حتى يزور قبره، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: {ألهاكم التكاثر، زرتم المقابر، كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون}.
ومن الناس من ظن أن السعادة في أن يُتبع نفسه هواها، ويعطيها مشتهاها، فالحلال عنده ما طلبته نفسه، فينغمس في المعاصي، فإذا فعل المعصية لا يجد سعادة، بل تضيق نفسه وتُحرقه نار المعصية فيطلب إطفاءها بمعصية أخرى، فيتنقل بين المعاصي حتى ترين على قلبه، فيعيش شقياً ويموت شقياً، ويبعث شقياً.
ومن الناس من أيس من حصول السعادة، وظن أن السعادة وهم منشود، ومطلب مفقود غير موجود، وما درى أولئك المساكين أن السعادة موجودة.
إن السعادة يا عباد الله سكينة وطمأنينة، يجعلها الله عز وجل في عباده أهل التقوى، التي أمر الله بها الأولين والآخرين، يقول ربنا سبحانه وتعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}. ويقول سبحانه: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا}.
وكيف لا يكون المتقي سعيداً يا عباد الله؟ والله معه، والله يحبه، الله يحفظه، الله يوفقه، الله يدافع عنه. {واتقوا الله، واعلموا أن الله مع المتقين}، {إن الله يحب المتقين}، {إن الله يدافع عن الذين آمنوا}.
كيف لا يكون المتقي سعيداً يا عباد الله؟ والله عز وجل يجعل له المخارج من المضايق، {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}، ويقول سبحانه: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً}.
وجماع التقوى يا عباد الله، التي بها السعادة والهناءة والقناعة والأمن والأمان وطيب الحياة، أمور أربعة:
أولها: توحيد الله عز وجل والبراءة من الشرك، فمن وحد الله وكفر بالطاغوت وبرئ من الشرك جعل الله عز وجل له الأمن النفسي {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}. فالذين آمنوا بالله ووحدوا الله عز وجل، ولم يخلطوا توحيدهم بشرك، أولئك لهم الأمن المطلق، لهم الأمن التام، لهم الأمن النفسي الذي يسمى بالسعادة.
ثانيها: صدق النية، بأن يعلم الله عز وجل من العبد أنه إنما يريد الآخرة، ومن أراد الآخرة سَكَّن الله نفسه وطمأن قلبه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة).
ثالثها: محبة النبي صلى الله عليه وسلم، التي يُصدِّقها الاتباع، يقول الله عز وجل: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم}.
ورابعها: الاجتهاد في طاعة الله والبعد عن معصية الله سبحانه وتعالى، يقول الله عز وجل: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}. ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: من عاد لي ولياه فقد آذنته، وما تقرب عبدي إلي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).
فيا عبد الله، يا طالب السعادة، إن أردت السعادة فكن مع الله، احفظ الله يحفظك، احفظ الله يحفظك، احفظ الله يحفظك.
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بشيء إلا ما كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا ما كتبه الله عليك.
فاتقوا الله عباد الله، وعيشوا في سبيل الله تكونوا من المفلحين السعداء.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
.
.
.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد، فيا عباد الله، إن مما يزعج القلب ويُذهب سكينته وطمأنينته أموراً ثلاثة هي آلام تُصيب القلب:
الأمر الأول: الحزن على الماضي من المصائب والمعايب، فيحزن العبد على أمور ماضية من مصائب أصابته أو معايب فعلها وينغص حياته بذلك ويلوم نفسه على ذلك ويُكرر لو أني فعلت كذا وكذا.
وعلاجه يا عباد الله، إن كان الماضي الذي يُحزن من المصائب، أن يوقن العبد أن ما كان لا يمكن أن يكون إلا كما كان ولن يغيره شيء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني عملتُ كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان).
وإن كان الماضي من المعايب والذنوب، فإن علاج ذلك يا عباد الله، أن يعلم العبد أن الندم توبة، وأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأن التوبة تَجُبُّ ما كان قبلها، {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا}.
الأمر الثاني: الغم برفض الحاضر وعدم القناعة به، فيصيب القلب غم بسبب ذلك. وعلاجه يا عباد الله، أن يدرب الإنسان نفسه على القناعة بما آتاه الله، وأن يعلم أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (قد أفلح من أسلم، ورزقه الله كفافاً، وقنَّعه بما آتاه).
الأمر الثالث: الهموم بالخوف من المستقبل، وعلاجه يا عباد الله، أن يحسن العبد ظنه بالله عز وجل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيراً فله، وإن ظن شراً فله).
ألا فاتقوا الله عباد الله، وجاهدوا أنفسكم لتعيشوا في سبيل الله سبحانه وتعالى، فإن في العيش في سبيل الله سعادتكم في الدنيا والآخرة.
واعلموا أنكم إن عشتم في سبيل الله، فإن ما فاتكم في الدنيا تجدون خيراً منه في الآخرة.
إن آخر رجل يدخل الجنة من أهل النار، رجل إذا أذن الله له أن يدخل الجنة، قال له الكريم: تمنى، فيتمنى ويتمنى ويتمنى، حتى إذا انقطعت به الأماني، قال الله عز وجل له: {لك هذا وعشرة أمثاله معه}. هذا يا عباد الله أقل أهل الجنة نعيماً، فكيف بمن سبقه إلى الجنة؟
إلا وإن هذا الثمن عظيم. فعيشوا يا عباد الله في سبيل الله عز وجل، فإن الموت قريب، إن الموت قريب، والفوز والفلاح عند الله عز وجل للمتقين.
ثم اعلموا، رحمنا الله وإياكم، أن الله عز وجل أمرنا بأمر كريم شريف، بدأ فيه بنفسه، وثنى فيه بملائكته، فقال سبحانه: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً}.
واعلموا عباد الله، أنكم لو صليتم على نبيكم صلى الله عليه وسلم بعدد أنفاسكم، ما قمتم بحقه، وكيف تقومون بحقه وأنتم إذا صليتم عليه مرة واحدة، صلى الله عليكم عشراً، وكتب لكم عشر حسنات، وحُط عنكم عشر خطيئات، ورفعكم عشر درجات.
فاللهم صل وسلم على نبينا محمد ....