والله لا يحب المفسدين

الشيخ سليمان الرحيلي

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي يأمر بالإصلاح ولا يحب الفساد، وأشهد أن لا إله إلا الله يُأمِّن الموحدين يوم التناد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله جاء بكل ما يُصلِح العباد، صلى الله عليه وسلم صلاةً دائمةً وتسليماً في ازدياد، ورضي الله عن آله وأصحابه أهل الإصلاح والرشاد.

أما بعد فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، فإن من وحَّد الله وكان تقيا كان لله وليا، ومن والى الله فاز بكل خير، يقول ربنا سبحانه وتعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.

عباد الله، إن الله خلق الإنسان وأسكنه الأرض ليَعمُرها بالتوحيد والعِبادة ولِيُصلح فيها، قال ربنا سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّس لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون}.

وأصلح الله الأرض للإنسان ونهاه عن الإفساد فيها، فقال سبحانه: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}، وأخبرنا ربنا سبحانه وتعالى أنه لا يحب الفساد ولا المفسدين، فقال سبحانه: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}، وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.

فالواجب يا عباد الله على الإنسان أن يُصلح في الأرض ولا يفسد فيها، فإن الإفساد في الأرض من صفات الفاسقين الخاسرين، قال ربنا سبحانه وتعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين (27) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِه وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.

وإن من أعظم الأمور التي يحتاجها الإنسان في دُنياه المال الذي تقوم عليه معايشه، قال ربنا سبحانه وتعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا}، الله عز وجل جعل المال لنا قياماً، تقوم به معايشنا، وقد أمر الله عز وجل بالإصلاح في المال، ونهى عن الإفساد فيه، فقال في نصيحة قوم قارون له: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.

وإن الإصلاح يا عباد الله في المال يكون في اكتسابه ويكون في إنفاقه، أما في اكتسابه فإنه يكون باكتسابه بالحلال، وتجنب الحرام، واتقاء المشتبهات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).

وأما الإصلاح في المال في إنفاقه، فإنه يكون بأن يُخرِج الإنسانُ منه النفقة الواجبة، وأن يتصدق منه، وأن يجعله في حلال، فمن فعل ذلك كان المال عليه نعمة، أما إن كانت الأخرى -والعياذ بالله منها- فإن المال يكون نقمة على الإنسان في الدنيا، وحسرةً وندامةً يوم القيامة، فإن الأكثرين في الدنيا من الأموال الأقلون يوم القيامة، إلا من أدى في المال حقه.

وإن أعظم المال شأناً يا عباد الله المال العام الذي تقوم عليه الدولة، فإن منفعته لعموم أهل البلاد، وإن الاعتداء عليه اعتداء على كل أهل البلاد، فالواجب يا عباد الله أن يُحافَظ على المال العام، وأن يُتَجَنَّب فيه الفساد، وقد حرّم الله الإفساد في المال العام فحرّم الرِّشوة، وحرّم الغلول، وجعلهما من كبائر الذنوب، وقال ربنا: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}.

وإذا كان هذا يا عباد الله في أموال الأيتام، فإنه في المال العام أعظم، وإن المعتدي على المال العام بهذا الوعيد أحق، فالله الله عباد الله في المال العام.

وإن من المال العام الأماكن العامة والمرافق العامة، فالواجب علينا يا عباد الله أن نُصلح فيها وأن نُصلحها، وأن نَجتنب الإفساد فيها حِساً ومعنى.

وإن من الأموال العامة الوظائف العامة والنقود العامة، فالواجب علينا يا عباد الله أن نحافظ عليها وأن نتقي الله فيها.

عباد الله، إن بلادنا هذه تقوم -بحمد الله عز وجل- على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هذا المبدأ العظيم فإنها تحارب الإفساد، وأنشأت جهاتٍ تراقب المال العام، وتحافظ على النزاهة وتكافح الفساد، وإن لهذه الجهات نجاحات ظاهرة نحمد الله عليها، ولا سيما في هذا العهد الميمون عهد الحسم والعزم، فإنا نرى نجاحاتها رؤية بينة ونرى آثارها.

فالواجب علينا يا عباد الله أن ندعوَ لتلك الجهات وأن نتعاون معها على ما يكون فيه الإصلاح وتحقيق النزاهة والابتعاد عن الفساد.

عباد الله من المواطنين والمقيمين، إن هذه البلاد أمانة في أيديكم، وإنكم مسؤولون عنها، فأدوا الأمانة لعلكم تفلحون.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

.

.

.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

أما بعد فيا عباد الله، إن الله عز وجل عظّم شأن الأمانة وأمر بأدائها، وحرم الخيانة ونهى عنها، قال ربنا سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أدِّ الأمانةَ إلى منِ ائتمنكَ، ولا تخنْ من خانكَ).

وقال الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه: [إن الرجل حقَّ الرجل من يؤدي الأمانة إلى من ائتمنه].

وإن من أجلى صور الأمانة الوظائف العامة والأموال العامة، فمن أخذها بحِلها وأدى الواجب عليه فيها كان من أهل أداء الأمانة، ومن فرّط في ذلك كان من أهل الشقاوة، وكانت عليه خزياً وندامةً يوم القيامة.

قال أبو ذر رضي الله عنه: [يا رسول الله ألا تستعملني؟]، فقال صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر إنك رجل ضعيف، وإنها أمانة، وإنها خزي وندامة يوم القيامة، إلا من أخذها بحقها، وعمل بالذي عليه فيها).

ألا فاتقوا الله عباد الله، ألا فليتق الله كل من وُلي ولاية على وظائف المسلمين أو وُلي ولاية على المال العام، فليُحسن وليتق الله ربه، وليعلم أنه مسؤول بين يدي الله عز وجل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه).

ألا فاتقوا الله عباد الله، وأدوا الأمانة، واعلموا أن الدنيا مهما تزخرفت قصيرة زائلة، وأن المصير إلى الله، فاتقوا الله عباد الله لعلكم تفلحون.

عباد الله، إن صلاتكم على نبيكم صلى الله عليه وسلم فيها القيام ببعض حقه عليكم، وفيها تشريف لكم، وفيها خيرات كثيرة لكم، فأكثروا من الصلاة على نبيكم صلى الله عليه وسلم في سائر الأيام، وزيدوا من ذلك في يوم الجمعة، فإن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ من أفضلِ أيَّامِكُم يومَ الجمعةِ، فيهِ خُلِقَ آدمُ، وفيهِ قُبِضَ، وفيهِ النَّفخةُ، وفيهِ الصَّعقةُ، فأكْثِروا عليَّ منَ الصَّلاةِ فيهِ، فإنَّ صلاتَكُم معروضةٌ عليَّ).

الله أكبر يا عبد الله، ما أعظمه من شرف أن تُعرض صلاتك على نبيك صلى الله عليه وسلم ويقال له: هذه صلاة فلان ابن فلان عليك، ألا فصلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم.

اللهم ...