خطر إدمان الهاتف ومقاطع الريلز

إدارة زاد الخطيب المسلم

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}

{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}.

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي المقصّرة بتقوى الله تعالى.

أيها المؤمنون:
في خضم هذه الحياة، وفي زحمة الملهيات والمُشغلات، حري بنا أن نذكر أنفسنا بالميثاق العظيم والعهد القديم، الذي أخذه ربنا جل وعلا علينا ونحن في أصلاب آبائنا.

قال الله رب العالمين: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِم ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِم ألستُ بربكم قالوا بلى شهدنا}.

ما أجملها من كلمة، وما أعظمه من سؤال: (ألسْتُ بربكم؟) إي والله، إنه ربنا وخالقنا جل وعلا، أوجدنا من العدم وأمدنا بصنوف النعم، خالقنا ورازقنا، وهو سبحانه يدبر أمورنا، فلا والله لا إله لنا غيره ولا رب لنا سواه.

فإذا كان ذلك كذلك عباد الله، فهو إذاً وحده سبحانه المستحق للعبادة، فلا نعبد معه أحداً لا ملكا مقربا، ولا نبياً مرسلاً، ولا ولياً صالحاً، ولا حجرا، ولا شجراً.

بل نعبده وحده جل وعلا. كيف لا؟ وهو جل وعلا أخبرنا أنه إنما أوجدنا في هذه الحياة الدنيا لغاية عظيمة، فقال جل وعلا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون}.

فالله رب العالمين لم يخلقنا سدى، ولم يتركنا هملا، بل خلق الخلق ليعبدوه وبالآلهية يفردوه، كما قال جل وعلا: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}

فإذا علمنا عباد الله يقينا أن ربنا جل وعلا قد خلقنا لهذه الغاية العظيمة، فإنه حري بنا أن نشغل قلوبنا وجوارحنا في جميع أوقاتنا بهذه العبادة التي هي الغاية من خلقنا، وأن نستحي كل الحياء من ربنا جل في علاه على تقصيرنا في حقه.

فعبادة الله جل وعلا، عباد الله، ليست حملاً ثقيلاً على القلوب والأكتاف، بل هي شرف وسعادة، هي طمأنينة وراحة، فالسجود له سبحانه رفعة، والقيام بين يديه شرف، وشغل القلب به أُنس وطمأنينة.

فمن علم أن ربه جل وعلا قد خلقه لعبادته، جعل الصلاة راحة لقلبه، وجعل القرآن أنيساً لوحشته، وجعل الدعاء سلواه في حزنه وشدته.

من علم أن ربه خلقه لعبادته، لم يضيع عمره الثمين في اللهو واللعب، ولم يبدد أيامه في الغفلة، بل جعل حياته كلها لربه، لأن قلبه أدرك يقينا أنه مخلوق لغاية، وأي غاية! وإنه لا بد أن يأتي اليوم الذي يلقى فيه العبدُ ربه، فيوَفّيه هنالك جزاء عمله، فهو في كل وقت وحين مشغول بطاعة الله رب العالمين.

فهنيئاً عباد الله لمن علم هذه الغاية، ثم هنيئا هنيئا لمن عمل بها، وسار في طريق العبودية إلى ربه، وألزَم نفسه الثبات حتى الممات، ممتثلا قول ربه جل وعلا: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
.
.
.
الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو يتولى الصالحين.

وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة وسلاماً متلازمين إلى يوم الدين.

أما بعد، معاشر المؤمنين، فقد علمنا يقيناً أن ربنا جل وعلا قد أوجدنا في هذه الدنيا كي نعبده ونفرده بالعبادة.

ولكن نقول، عباد الله، وبصريح العبارة [إن القلوب قد شغلت عن ربها علام الغيوب]، وإن كانت الشواغل في هذه الدنيا وفي هذا الزمان بالأخص كثيرة، إلا أن الكلام سيكون عن أشدها خطراً وأعظمها ضرراً، ألا وهي الهواتف المحمولة.

كان من المفترض أن تقر أعيننا بالقرآن، وأن تأنس قلوبنا بذكر الرحمن، فإذا بالأنظار معلقة بالشاشات، والقلوب أسيرة المقاطع والشهوات، والأوقات تضيع في متابعة التافهين والتافهات.

ضاعت الساعات، وتبددت الأعمار، وتراكمت الغفلات، فازدادت القلوب قسوة ووحشة وبدأت النفس تتثاقل عن الطاعة والعبادة لأن الغاية العظيمة قد نُسيت والقلوب بهذه المقاطع قد شُغلت.

ترى الواحد منا يمضي الساعات الطويلة في تقليب المقاطع القصيرة، ثم يتثاقل وكأن على كتفيه جبلا عن ركعتين يركعهما لربه جل وعلا.

يسهر على هاتفه الساعات الطوال ، ثم يتثاقل عن ركعة وتر يتقرب بها إلى ربه، يُمضي أغلب ليله مع هاتفه، فإذا جاء الفجر، يغلبه الشيطان بالنوم، فيضع رأسه على الوسادة، وإذا بالفجر قد أتى وهو في عداد الغافلين النائمين.

أخي المسلم، أنت عبد كريم على الله جل وعلا، خلقك لعبادته، وأمدك بنعمه، وهداك إلى شريعته، ثم دعاك إلى جواره في جنته، أفيليق بك بعد ذلك يا عبدالله أنت تعيش حياة الغافلين عن رب العالمين؟!.

إن أعظم الخسارة عباد الله أن نلقى الله رب العالمين بقلوب غافلة ونفوس لاهية وجوارح أوقاتها في هذه الهواتف مبعثرة، مليئة بالمشاهدات والمتابعات غافلة عن ربها رب الأرض والسماوات.

وختاما أقول عباد الله:
رغم ما نحن فيه من تقصير فإن رحمة الله واسعة، وهو سبحانه يحب التوبة، وفتح باب التوبة لعباده، بل إنه دعا عباده المقصرين المسرفين فقال: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطقوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا}

فلنفق عباد الله من غفلتنا، فلنطفئ أنوار الشاشات، ولنشعل نور القرآن في هذه القلوب بالآيات.

فيا من أصبح تائها بين المقاطع والصور، عد إلى سفينة الطاعة، وارجع إلى طمأنينة العبادة، وذق رعاك الله لذة الأنس، فحينها ستعلم يقينا لا شك فيه، أنك كنتَ أسيرا لهاتفك، سجينا بين مقاطعه وصوره، وستشعر أنك صرت حرا طليقا، وكأنك قد فُككتَ من قيد، فحينها ضع عصاك على عاتقك وجُدَّ في السفر إلى خالقك، فالموعد هناك إما جنات النعيم في جوار الرب الكريم، وإما نار جحيم تلظى عياذا بالله رب العالمين.

الدعاء....