كيفية الطلاق المشروع

الشيخ محمد السبيل

الخطبة الأولى:

الحمد لله العليم الحليم، أتقن ما صنع، وأحكم ما شرع. أحمده سبحانه، له الحمد كله والثناء، وأشكره على ما مَنَّ به من الآلاء والنعماء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه.

أما بعد: أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى وأطيعوه وامتثلوا أمره، ولا تعصوه. واعلموا أن الله عليم حكيم، عليم بما يصلح أمور عباده، ما شرع لنا حكماً إلا لمصلحة وحكمة، وما نهانا عن شيء إلا رأفة بنا ورحمة.

شرع لنا النكاح لما يشتمل عليه من المنافع والصلاح، وأباح لنا الطلاق عند وجود النزاع والشقاق، به يحصل للزوج الخلاص من شر الزوجة التي ليست بصالحة إذا ظهر منها أمارات الخيانة؛ في نفسها، أو مال زوجها، أو شراسة خلقها، أو فساد في طبعها، فإذا رأى الرجل منها ما يشوش باله، أو يكدر حاله، بحيث لا يمكنه إصلاحها، أو يخشى أن يقصر في واجباتها، فقد أباح الله له الطلاق.

كما أنه قد تكون الحال بعكس ذلك، فيكون الرجل شريراً سيئ الخلق، يسيء إليها، ويكدر عليها، فتخشى على نفسها أن لا تقيم حدود الله في حقه، فلا بأس عليها – عند ذلك – أن تخلص نفسها ولو بدفع شيء من المال تدفعه إليه ليطلقها.

وإذا وُجِد شيء من ذلك، وهو عدم الوفاق من قبله أو من قبلها، أو عدم الاستقامة بينهما، فقد أرشد الله سبحانه إلى كيفية الطلاق المشروع في قوله سبحانه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة:229].

وإذا وُجِدَت الضرورة لإيقاع الطلاق، فعلى العاقل أن لا يُقْدِمَوعلى هذا الأمر الخطير إلا بعد التَّرَوِّي والتبصر والتريث ومشاورة أهل الخير والصلاح الناصحين له، لما يترتب عليه من شتات الشمل وتفرق الأسر إلى غير ذلك مما لا تُحمد عقباه.

وكيفية الطلاق الشرعي (طلاق السنة): أن يطلقها طلقة واحدة في حال طُهرها من الحيض، الطُّهر الذي لم يحصل فيه مساس بينهما، ويتركها في بيته، فإن حصل بينهما وئام ووفاق وزال ما بينهما من شقاق، وظنّا أن يقيما حدود الله فليراجعها، فلعل الله أن يحدث بعد ذلك أمراً من المحبة والألفة والمودة، وأن يعزما على التغاضي عمّا قد يحصل، واحتمال ما قد يصدر من كل منهما مما هو من طبيعة البشر.

فإن استمر الوضع على عدم الوفاق بعد الرجعة، فليطلق التطليقة الثانية، ويعمل كما عمل في الأولى، فذاك هو المطلوب شرعاً وعرفاً. وإن لم تصلح الأحوال، فله أن يطلقها الطلقة الثالثة، ثم بعد ذلك تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره، فهذا ما ترشدنا إليه شريعتنا السمحة، وملتنا الغراء.

ولكن مع الأسف الشديد أن كثيراً من الناس من الجهلة الحمقى والسفلة الرقعاء استعملوا الطلاق في غير موضعه، وسلكوا وعره ومهيعه. فمنهم من تأخذه حماقة وسفه أثناء مغالطة في بيع أو شراء، أو أخذ أو عطاء، أو حث أو منع، أو منازعة في بعض الأمور التافهة، أو المنازعات التي لا تهدف إلى شيء، فيطلق زوجته وهي غافلة، من غير سبب منها ولا ذنب، ولا من أجل عدم الرغبة فيها، بل بمجرد طيشه وحماقته.

ومنهم من يطلق لأمر تافه ككونها لم تهيئ له طعاماً، أو تغسل ثوباً، أو تنظف بيتاً، أو ذهبت إلى أهلها لأمر ضروري، فيشتد غضبه، وتقوم قائمته، ويطلق لسانه بالسب والشتائم، ويطلق ثلاثاً محرّماً، نهى عنه الله ورسوله، يجمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد في آن واحد، فلم يترك للصلح موضعاً، خالف أمر الله، وعصى رسول الله ﷺ، وأطاع الشيطان فيما يحبه ويتمناه، ونفذ غضبه وهواه، وفرق أسرته، وأشمت عدوه، وربما ندم الندامة العظمى، وتأسف الأسف الشديد، وصار يسعى بكل جهده لمحاولة الارتجاع والتلافي لما فرّط منه.

لقد قال نبيكم الشفيق عليكم الناصح لكم ﷺ: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق).

وروى النسائي عن محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فغضب، ثم قال: (أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم، حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟).

وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثاً قال: [لو اتقيت الله جعل لك مخرجاً]، لا يزيده على ذلك.

فاتقوا الله، عباد الله، وليعرف المسلم كيف يطلق؟ ومتى يطلق؟ وإلا ارتكب المحظورات، ووقع في الندامات، وتنغصت عليه حياته.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:229].

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدى سيد المرسلين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم
.
.
.
الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه سبحانه، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واتبعوا هدي نبيكم تفلحوا، واعملوا بتوجيهاته وإرشاداته تربحوا. فقد أرشدكم ﷺ إلى ما يكفل لكم السعادة والطمأنينة، فكان من توجيهاته وإرشاده إلى ما يصلح الأحوال، ويكون سبباً لراحة البال، قوله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر).

والمعنى: لا يبغض زوج زوجته لخلق واحد لا يرتضيه منها، فإنه إذا رأى منها خلقاً لا يعجبه، ينظر إلى ما فيها من أخلاق حسنة ويجعل هذا بهذا. ولا ينبغي أن يهدر ما فيها من أخلاق حسنة لخلق واحد لا يرتضيه، فإنه متى عمل بتوجيهات الرسول ﷺ في هذا الأمر استراح من أمور كثيرة، وصلحت أحواله، وسعد بيته، وطالت عشرته مع زوجته، واستقامت أحواله.

وهل يتأتى أن يجد زوجة أو صاحباً أو جليساً يرضيه من كل النواحي؟ هذا ليس في الإمكان، ولا يتأتى لأحد كائناً من كان. فاعملوا – رحمكم الله – بتوجيهات نبيكم تحصل لكم السعادة في الدنيا والآخرة.

[ إلى هنا انتهت الخطبة من مصدرها ]