الصيام والأخلاق - رمضان

الشيخ سليمان الرحيلي

الخطبة الأولى:

إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمدُه ونَستعينُه ونَستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ من شُرورِ أنفُسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا.

مَن يَهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له.

وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }.

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }.

أمّا بعدُ: فإنَّ أحسن الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهَدي هَديُ محمّدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ مُحدَثاتُها، وكلَّ مُحدَثةٍ بِدعة، وكلَّ بِدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النّار.

ثُمَّ يا عبادَ اللهِ، إنَّ اللهَ أنعَمَ عليكم بالإسلامِ والإيمانِ، وأنعَمَ عليكم ببلوغِ شهرِ رمضانَ، ببلوغةشهرِ القرآنِ، الذي فَتَّحَ لكم فيه أبوابُ الجِنانِ، وغَلَّقَ عنكم فيه أبوابُ النّيرانِ، وسَلْسَلَ لكم فيه الشياطينَ ومردةَ الجانِّ، وجعلَ لكم فيه ليلةً هي خيرٌ لكم من كاملِ عمرِ الإنسانِ، وله في كلِّ ليلةٍ عُتقاءُ من النّيران.

وناداكم منادٍ: يا باغيَ الخيرِ أقبِل، ويا باغيَ الشرِّ أقصِر.

شَرَعَ لكم في شهرِكم الصِّيامَ، (ومن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّمَ من ذنبِه).

شَرَعَ لكم فيه القيامَ، (ومن قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّمَ من ذنبِه).

شَرَعَ لكم فيه قراءةَ القرآنِ، فقال سبحانه: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ }.

شَرَعَ لكم فيه الدُّعاءَ، فقال في وسط آيات الصيام: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }.

شَرَعَ لكم فيه الصدقةَ والجودَ، فكان نبيُّكم ﷺ أجودَ الناسِ، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضانَ إذا لقيَه جبريلُ، فلرسولِكم ﷺ حين يلقاهُ جبريلُ أجودُ بالخيرِ من الرِّيحِ المرسلةِ.

وشَرَعَ لكم فيه العُمرةَ إنْ تَيَسَّرَتْ، فعُمرةٌ في رمضانَ تعدِلُ حَجّةً مع سيد ولد عدنان ﷺ.

واعلَموا – عبادَ اللهِ – أنَّ أفضلَ أعمالِكم التي شَرَعَها اللهُ لكم فيه: الصِّيامُ، فإنَّه فَرْضٌ عليكم.

واعلموا أنَّ الصِّيامَ إنّما يُوزَنُ بتأثيرِه في تزكيةِ النَّفسِ وإصلاحِها، وتحسينِ الأخلاقِ وتهذيبِها.

فكلَّما كان الصائمُ حسنَ الأخلاقِ دلَّ ذلك على كمالِ صومِه وقوة صومه، والعكسُ بالعكسِ، فإذا كان الصائمُ سيِّئَ الأخلاقِ دلَّ ذلك على ضعفِ صومِه، فإنَّ الصَّومَ – يا عبادَ اللهِ – إنَّما شُرِعَ لتزكيةِ النفوسِ وإصلاحِها وتهذيبِ الأخلاقِ وتحسينِها.

قال ربُّنا سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }.

وقال نبيُّنا ﷺ: (من لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ به والجهلَ فليس للهِ حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه).

وقولُ الزُّورِ: هو معاصي اللسانِ، وعملُ الزُّورِ: هو معاصي بقيّةِ الجوارحِ، والجهلُ: فعلُ أهلِ الجهلِ من الصُّراخِ على الناسِ وأذيّتِهم ونحو ذلك، فمن لم يدع المعاصي فإنه ليس لصومه فائدة ولا تعود منه على نفسه عائدة.

قال ﷺ: (الصِّيامُ جُنّة، فإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفُثْ، ولا يَصْخَبْ، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتلَه فليقلْ: إنِّي صائمٌ، إنِّي صائم).

وفي روايةٍ: (إذا أصبحَ أحدُكم يومًا صائمًا فلا يرفُثْ ولا يجهلْ، فإنْ امرؤٌ شاتمَه أو قاتلَه فليقلْ: إنِّي صائمٌ، إنِّي صائم).

الصيام يا عباد الله وقاية من الأخلاق الرَّدِيَّة، فعلى الصائم أن يكون حَسَنَ الأخلاق، فلا يرفث ولا يتكلم بالكلام الفاحش بل يقول خيرا وإن لم يجد خيرا صمت، ولا يصخب فلا يصرخ على الناس ولا يشتمهم، ولا يجهل ولا يكون فعله فعل أهل الجهل، وإنما يكون حسَنَ الأخلاق، بل إنه يا عباد الله لا يرد السيئة بالسيئة، فإن سبه أحد لا يسبه، وإن شتمه أحد لا يشتمه، وإن قاتله أحد لا يقاته، وإنما يقول:(إني صائم، إني صائم) يُذَكِّرُ نفسَه ومقابله ومن يسمعه أن الصيام يقتضي خلافَ هذا.

وقال ﷺ: (ليس الصِّيامُ من الأكلِ والشُّربِ، وإنّما الصِّيامُ من اللَّغوِ والرَّفَث، فإذا سابَّك أحدٌ أو جَهِلَ عليكَ فقلْ: إنِّي صائمٌ، إنِّي صائم) فإذا صمتَ يا عبدالله عن الشراب والطعام فلتصم عن الحرام، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.

وقال نبينا ﷺ: (ربَّ صائمٍ ليس له من صيامِه إلا الجوعُ، وربَّ قائمٍ ليس له من قيامِه إلا السَّهر) وفي روايةٍ: (ربَّ صائمٍ حظُّه من صيامِه الجوعُ والعطشُ، وربَّ قائمٍ حظُّه من قيامِه السَّهرُ).

واعلموا عباد الله أن المسلم إذا صام مع حسن خُلُق كان من أهل الجنة وسبق غيرَه، أما إذا كان مع كثرة صيامه وقيامه سيء الأخلا، يؤذي الناس فإن هذا قد يقوده إلى النار، وإنَّ غيرَه يسبقه وإن كان أقل منه عملا مع حُسْنِ الخُلُق.

وقد ذُكِرَ للنبيِّ ﷺ امرأةٌ، وأنَّها تصومُ النهارَ، وتقومُ الليلَ، وتُكثِرُ الصَّدقةَ، لكنَّها تُؤذي جيرانَها، فقال ﷺ: (هي في النّار).

وذُكِر له امرأةٌ أخرى، وذُكِر من قلة صلاتها وصيامها، وأنَّها تقتصر على المكتوباتِ، وأنها تتصدق بالقليل فقال النبي ﷺ: (هي في الجنّة).

وأخبر النبي ﷺ: (أنَّ المسلمَ لَيُدرِكُ بحُسنِ خُلُقِه درجةَ الصَّائمِ القائم).

وأخبر ﷺ: أن (المسلمُ المسدَّدُ لَيُدرِكُ درجةَ الصَّوّامِ القوّامِ بآياتِ اللهِ بحُسنِ خُلقِه وكرمِ ضريبته -أي بكرم طبيعته- وحُسنِ سجيّتِه).

ألا فاتَّقوا اللهَ – عبادَ اللهِ – وصوموا شهرَكم، وصونوا صومَكم، وحسِّنوا أخلاقَكم لغلكم تُفلِحون.

أقولُ ما تسمعون، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم من كلِّ ذَنبٍ، فاستغفروه، إنَّه هو الغفورُ الرَّحيمُ.
.
.
.
الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ وحده، والصلاةُ والسلامُ على من لا نبيَّ بعده.

أمّا بعدُ، فيا عبادَ اللهِ، بالأمس ودَّعتم العشرَ الأوائلَ من شهرِ رمضانَ، ودَعتم ثُلثَ رمضانَ، والثُلثُ كثيرٌ، وإنّ في ذلك لعبرةٍ، يا عبادَ اللهِ، إنها والله أعمارُنا.

ألا ترونَ يا عبادَ اللهِ أنّنا استقبلنا رمضانَ في أولِ يومٍ ونحن نقول: «أهلاً أهلاً»، وها نحن في هذا اليوم وقد رأينا سرعة انقضاء أيّامِه ولياليه، فنقول: «أيّها الضيفُ الكريمُ مهلاً مهلاً».

والله ثم والله كأن رمضانَ هذا قد دخل علينا بالأمس، إنها والله أعمارُنا، يا عبادَ اللهِ، تجري بنا إلى قبورِنا، إلى تلك الحفرةِ الضيّقةِ التي قطعت قلوبَ الصالحين.

ألا فلننتبهْ يا عبادَ اللهِ من الغفلة، ولنستعد للنُّقْلة، فإنَّ الموت قريبٌ، إنَّ الموت قريبٌ، إنَّ الموت قريبٌ.

ولِنحاسب أنفسَنا، يا عبادَ اللهِ، ماذا عملنا في ثُلثِ شهرِنا؟

فإن وجدنا أنّنا صَمنا وقُمنا وقرأنا القرآنَ وأحسنّا، فلنحمد الله، ولنعلم أنّ الفضل كلّه لله، ولنَسألِ اللهَ الثباتَ، ولنَزد في أعمالِنا، ولنَسِرْ على سَيْرِ نبيِّنا ﷺ وسلفنا رضوان الله عليهم، من أنهم كلّما نقصت أيّامُ شهرِهم كلّما زادوا في العمل حتى يكون آخر عملُهم خيره وأعظمه، وهكذا يكون الصالحون، يا عبادَ اللهِ.

وإن وجدنا أنّنا فرطنا وتكاسلنا، نشطنا قليلًا ثم نمنا طويلًا، قرأنا قليلًا ثم غفلنا كثيرًا، فلننتبه من الغفلة، ولننفض عنّا غبارَ الكسل، ولنبادر إلى العمل، ولنتذكّر أنّ ربَّنا قال في شهرنا: {أياماً معدودات}، وما يُعدُّ يا عبادَ اللهِ سريعُ الذهاب وسريعُ الانتقال.

ولنعلم أنّ الأيام القادمة خيرٌ من الأيام الماضية، وأنما نطلبُ إنما هو أمامنا، ففي الليالي القادمة ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر، لا يُحرَم خيرَها إلا محروم.

فاتقوا الله عبادَ الله، واجتهدوا في العبادة قبل أن تُفاجَأوا بإعلان دخول شهرِ شوال، فيندم المفرط، ولات حينَ مندم.

اتقوا الله عبادَ الله، وأكرموا أنفسَكم في أيّامِ شهرِكم الباقية، فإنكم والله لا تدرون، أتدرِكون مثلها فيما يأتي؟ أم أنكم في قبوركم تُغَيَّبُون؟

ثم اعلموا، عبادَ الله، أنّ في صلاتِكم على نبيّكم ﷺ، إذهابًا لغمومِكم، وتكفيرًا لذنوبِكم، ورفعًا لدرجاتِكم، وتكفيرًا لسيئاتكم، وقيامًا ببعض حقِّ نبيِّكم ﷺ عليكم.

فصلّوا عليه وسلموا تسليمًا، فاللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدٍ ﷺ، وعلى آله وصحبه....