الخطبة الأولى:
الحمد لله، الحمد لله الحي القيوم، ذي الجلال والإكرام.
يقبل التوبة ويكفّر الخطايا والآثام، ويحب من عباده كثرة الصيام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المعبود الحق على الدوام، جعل للصائمين بابًا في الجنة دار السلام.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأنام، خير من صلّى، وفي شعبان صام، صلى الله عليه وسلم أزكى صلاة وأتمّ سلام، ورضي الله عن آله الطيبين الأعلام، وصحابته الخيار الكرام.
أما بعد:
فيا أهل الإسلام، تزوّدوا من دنياكم لأخراكم، وخير الزاد التقوى.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.
عباد الله، عباد الله:
إن الله خلقكم في هذه الحياة بين نقطتين:
نقطة الولادة: حيث تخرجون إلى هذه الحياة من ضيق، يقلّبكم الناس كيف يشاؤون.
ونقطة الموت: حيث تخرجون من هذه الحياة إلى حفرة ضيّقة، يقلّبكم الناس كيف يشاؤون.
وإنما خلقكم الله عز وجل على هذا، ليبتليكم بالأعمال الصالحة {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا}.
فالله عز وجل خلقكم لتوحيده وعبادته، {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وإن من أفضل العبادات وأجلّها وأشرفها وأعلاها وأعظمها فضلًا وأكثرها أجرًا: الصيام، الذي هو أقرب الأعمال إلى الإخلاص، وتتجلّى فيه حقيقة التقوى.
يستوي فيه السرّ والعلن؛ يصوم العبد أمام الناس، ويصوم إذا خلا بنفسه، يكون خاليًا بنفسه وقد بلغ منه الجوع والعطش مبلغًا، والأكل والشرب من حوله فلا يمدّ يده إلى طعام ولا إلى شراب، يترك مشتهاه طاعةً لمولاه.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي، والصيام جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه).
وفي رواية قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، يقول الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشهوته من أجلي).
وسأل أبو أمامة رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سؤالا عظيما فقال: يا رسول الله، مرني بأمر ينفعني الله به، -وفي رواية قال: يارسول الله أي العمل أفضل- قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له).
وإن من أفضل أيام الصيام بعد شهر رمضان شهر شعبان الذي ستدخلون فيه وقد قال جماعة من أهل العلم إنه أفضل أيام صيام النافلة؛ لأن النبي ﷺ كان يكثر الصيام فيه أكثر من غيره؛ ولأنه كالسنة الراتبة القبلية لشهر رمضان؛ ولأنه يدل على قوة إيمان العبد وحبه للصيام فيبادر بالصيام المستحب قبل أن يجب عليه الصوم في رمضان.
ويُسنّ للمسلم استحبابًا شديدًا مؤكدًا أن يكثر من الصيام في شعبان، وذلك لأمور ثلاثة عظام، يكفي الواحد منها ليجعل المسلم يقبل على الصيام في شعبان:
- أما أولها: فالاقتداء بسيدنا ونبينا محمد ﷺ وما أعظمه من شرف، وما أعظمها من لذة، وما أعظمها من حلاوة يجدها المسلم في قلبه إذا استشعر أنه يعمل عملا عمل به محمد ﷺ.
وقد أخبرت أمّنا عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ لم يكن يصوم من شهر أكثر منه في شعبان، فكان النبي ﷺ يُكثر الصيام في شعبان.
- وأما ثانيها: فهو أن شهر شعبان شهر يغفل الناس عنه؛ لأنه يقع بين شهر رجب وهو من الأشهر الحُرم وبين شهر رمضان وهو شهر الصيام، والعبادة وقت الغفلة يزداد أجرها ويعظم فضلها، لذلك يا عبدالله إذا رأيتَ الناس من الغافلين فكن من العابدين.
- وأما ثالثها: فهو أن شهر شعبان تُرفع فيه أعمال العباد إلى رب العالمين، والأفضل للمسلم أن يُرفع عمله إلى ربه وهو صائم.
سأل أسامةُ بن زيد رضي الله عنه وعن أبيه فقال: يا رسول الله لم أرك تصوم من الشهور شهرا كما تصوم من شعبان. فقال ﷺ: (ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى الله رب العالمين فأحبُّ أن تُرفع أعمالي وأنا صائم) فيُستحب لك يا عبدالله أن تكثر من الصيام في شهر شعبان.
وما هي السنة في صيام شهر شعبان؟
قال جماعة من أهل العلم: السنة أن يصوم الشهر كله من أوله إلى آخره؛ لأن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: (كان يصوم شعبان كله) ولأن أمَّنَا أمَّ سلمةَ رضي الله عنها قالت: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان) وفي رواية: (كان يصل شعبان برمضان).
وقال جماعة من أهل العلم: السنة أن يصوم أكثره ويفطر قليلًا منه، وهذا الأظهر عندي والله أعلم.
فإن أمَّنَا عائشة رضي الله عنها أخبرتنا أن النبي ﷺ ما استتم صيام شهر قط غير رمضان حتى مات ﷺ.
وقد جاء في رواية عنها (أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلا) فبيَّنَتْ هذه الرواية أنَّ مرادها من قولها:(كان يصوم شعبان كله) أنه كان يصوم أكثره حتى يظن الظان أنه قد صام الشهر كله.
ألا فاتق الله عبدالله، ومتع نفسك بالصيام في شهر شعبان، وصُمْ ما استطعت منه، ولا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئاً.
فإن استطعت أن تصوم يوما من كل أسبوع فَصُمْ، وإن استطعت أن تصوم يومين فصم، وهكذا، كلما أكثرت كان ذلك أحسن.
ثم اعلموا عباد الله أن من كان عليه قضاء من رمضان الماضي فإنه يجب عليه أن يصومه في شعبان، ولا يجوز له أن يؤخره حتى يدخل رمضان؛ فإنَّ أمَّنَا عائشة رضي الله عنها كانت تؤخر القضاء إلى شعبان لمَكَانِ رسول الله ﷺ منها، ولو كان يجوز لها أن تؤخره أكثر لفعلتْ،فلما كانت تصوم في شعبان عَلِمْنَا أنه لا يجوز لمن عليه قضاء أن يؤخره إلى دخول رمضان.
فاتقوا الله عباد الله وأكرموا أنفسكم بعبادة الله، لعلكم تُرحمون.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
.
.
.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فيا عباد الله إنه لم يثبت حديثٌ في فضيلة أعمال أو عادات في ليلة النصف من شعبان، فليلة النصف من شعبان من حيث الأعمال والعادات كسائر الليالي، وإنما جاء عن نبينا ﷺ أنه قال: (يطَّلِعُ على خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشركٍ أو مُشَاحن) هذا الحديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه وحسنه الإمام الألباني وليس فيه تخصيص ليلة النصف من شعبان بعمل من الأعمال، وإنما فيه بيان فضل الله وأنه سبحانه يغفر ليلة النصف من شعبان للموحِّدين المتواصلين.
وإن المسلم الناصح لنفسه - يا عباد الله - يحذر الشرك في عمره كله، يحذر الشرك كبيره وصغيره، ظاهره وخفيه، ويحذر مشاحنة السنة بإقامة البدعة، ويحذر مهاجرة المسلمين من أجل الدنيا فوق ثلاث، سواء كان المسلم قريبًا أو لم يكن قريبًا، ويتأكّد الأمر إذا كان المسلم قريبًا.
ويتأكّد في هذه الليلة أن يحذر المسلم حذرًا شديدًا من الشرك كله، ومن مهاجرة المسلمين من أجل الدنيا.
واعلموا - عباد الله - أن ما أحدثه بعض الناس في هذا الزمان من إرسال رسالة بالهاتف الجوّال إلى جميع من عنده يطلب منهم العفو والمسامحة في ليلة النصف من شعبان أمر غير مشروع.
وإنما المشروع للمسلم: أنه إذا كان يعلم أن بينه وبين مسلم مقاطعة من أجل الدنيا يبادر إل صِلَته والسلام عليه، لعله أن يكون من المغفور لهم المرحومين.
ثم اعلموا - رحمَني الله وإياكم - أن الله أمرنا بالصلاة والسلام على نبيه صلى الله عليه وسلم ....