الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى. الحمد لله حتى يرضى، والحمد لله عند الرضا، والحمد لله بعد الرضا، والحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد القهار، يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، النبي المصطفى المختار، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك كان كثير الاستغفار، صلى الله عليه وسلم ما أظلم ليل أو أضاء نهار، ورضي الله عن آله الأطهار، وصحابته الأبرار.
أما بعد:
فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}.
واعلموا أن شياطين الإنس والجن مع الساعين في الفرقة يرتكضون، واعلموا أن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، فاحمدوا الله على نعمة التوحيد والإسلام، وعلى نعمة الجماعة والإمام، وعلى نعمة الإقامة في المدينة، فنِعْمَ الدار ونِعْمَ المُقام.
عباد الله، إن الله أخبركم عن حقيقة حالكم فقال: {وخُلق الإنسان ضعيفاً}. ومن ضعف الإنسان أنه ليس معصوماً من الذنوب، بل يضعف أمام شهواته، ويقع في الخطايا والذنوب، فالذنب للإنسان كالحتم اللازم والرفيق الملازم، ولكن المؤمن – يا عباد الله – يجاهد نفسه بالبعد عن المعاصي، فإذا زلّت القدم سارع بالندم، فهو سريع الأوبة، قريب التوبة.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون).
ويقول صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، وإن المؤمن خُلق مُفَتَّنًا توابًا، نَسِيّاً إذا ذُكِّر ذَكَر).
فأنت يا عبد الله لم تُخلق معصوماً من الذنوب، بل خُلقت مفتنًا مبتلى مختبرًا بالذنوب، ولكن المؤمن إذا وقع في الذنوب سارع بالتوبة إلى الله، فهو سريع التوبة، كثير التوبة.
وأنت يا عبد الله خُلقت نسّياً، أي تكثر النسيان، وإذا نسيت وقعت في الذنوب، ولكن المؤمن إذا ذُكِّر تذكّر، فإذا سمع آيات الله تُتلى، أو سمع خطبة تُلقى، أو غير ذلك من المواعظ تذكّر، فأقلع عن ذنبه ورجع إلى ربه وكان من المستغفرين.
عباد الله، إن الناس يذنبون ويخطئون، وإن ربهم الرحيم يغفر لهم ما داموا يستغفرون، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم).
ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم).
وربنا الرحيم الغفور يغفر لعبده ما دام أنه إذا وقع في الذنب امتلأ قلبه خوفاً من الله، فاستغفر ربه وهو غير مصرٍّ على ذنبه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أذنب عبد ذنباً، فقال: يا رب، إني أذنبت ذنباً فاغفر لي. فقال له ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، فأصاب ذنباً آخر، فقال: يا رب، إني أذنبت ذنباً آخر فاغفر لي. فقال له ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، فأصاب ذنباً آخر، فقال: يا رب، إني أذنبت ذنباً فاغفره لي. فقال له ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي، وليفعل عبدي ما شاء). أي: ما دام على هذه الحال.
[قيل لأحد السلف: كيف دينك؟ فقال: أُمَزِّقُه بالمعاصي، وأُرَقِّعُه بالاستغفار].
عباد الله، ما بالنا كثرت ذنوبنا وقل استغفارنا؟ ألا نعلم يا عباد الله أننا اليوم نعمل، وغداً نموت، ثم نُبعث ونُحاسب؟! وما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان.
ألا فلنجتهد – عباد الله – في إحياء هذه القلوب، وملئها بالخوف من الله عز وجل، ولنكن من المستغفرين.
ولنعلم يا عباد الله أن كثرة الاستغفار منهج الأنبياء، وطريق الأولياء الأتقياء، وحال المؤمنين الأصفياء، أهل الجنة.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من مائة مرة).
ويقول ابن عمر رضي الله عنهما: [ إنْ كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة قول: "رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الغفور"]
وقال الله عز وجل عن والدينا آدم وحواء عليهما السلام: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}.
وقال سبحانه عن نبيه موسى عليه السلام: {قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم}.
وقال سبحانه عن نبيه داود عليه السلام: {وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب}.
وقال الله عز وجل عن المتقين أهل الجنة: {والمستغفرين بالأسحار}.
فيا عبد الله، إذا وقعت في الذنب فإياك أن يفوز الشيطان منك بأن تيأس من رحمة الله، أو تيأس من الخير الذي فيك، أو تصر على ذنبك، بل كن يا عبد الله من المستغفرين، فإن من استغفر الله غفر الله له، قال تعالى: {ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا}.
وقال سبحانه: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}.
فأكثروا – عباد الله – من الاستغفار، وإياكم والإصرار.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ورزقنا الاستقامة على سنة سيد المرسلين، وجعلنا من عباده المستغفرين.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
.
.
.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
فيا عباد الله، إن أحوال الناس عند وقوعهم في المعاصي مختلفة:
فمن الناس من إذا وقع في المعصية لا يشعر أنه عصى الله عز وجل، ولا يُحدِّثُ نفسه بتركها، ولا يفكر في التوبة، بل تفكيره منصب على تحصيل الذنوب، وعلى تكثيرها، ومُناه أن يعطي نفسه هواها ويُتبعها في مشتهاها، فيظل منغمسًا في الذنوب ينتقل من ذنب إلى ذنب حتى يهلك على هذه الحال، فترتاح الأرض وأهل الأرض منه، نعوذ بالله من سوء الحال.
ومن الناس من إذا وقع في الذنب أحرقه ذنبه وفكر في التوبة، ولكنه يسوف: غدًا أتوب، إذا تقدم بي العمر أتوب، إذا بلغ المبلغ الفلاني أتوب... إلى كثير من الأماني التي تغره وتحجزه عن التوبة. وهذا – يا عباد الله – معرّض بأن يعوقه عن التوبة عائقان، وأن يقوم به عنها مانعان، فقد يحين الأجل ويسبق الموت التوبة، فيموت وهو على ذنبه. والواحد منا – يا عباد الله – لا يعلم متى يموت ولا أين.
فيا معشر الشيوخ، يا من ابيضّ شعرهم: التوبةَ التوبةَ، فإنه لا يُنتظر بالزرع إذا ابيضّ إلا الحصاد.
ويا معشر الشباب: التوبةَ التوبةَ، فإن الزرع قد تدركه آفة قبل أن يستحصد.
وإما أن يستمر على الذنوب حتى ترين على قلبه ويسود قلبه، يقول النبي ﷺ: (إذا أذنب العبد ذنبًا نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع صُقل منها، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه). نعوذ بالله من سوء الحال.
ومن الناس من وقع في الذنب – ولابد من الذنب – سارع بالتوبة ورجع إلى ربه سبحانه وتعالى، وكان من المستغفرين، وأولئك الأخيار.
فاتقوا الله – عباد الله – وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، وكونوا من المستغفرين.
وإذا أردتم – يا عباد الله – الحياة الطيبة، وأن تصلح أنفسكم، وأن تخمد نيران قلوبكم، وأن يرزقكم الله الذرية وأن يبارك الله لكم في الذرية وأن يوسع عليكم في أرزاقكم؛ فعليكم بكثرة الاستغفار.
قال الله عز وجل عن نوح عليه السلام: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا * يرسل السماء عليكم مدرارًا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا}.
فكونوا – عباد الله – من المكثرين من الاستغفار، وكونوا توابين لربكم لعلكم ترحمون.
ثم اعلموا – رحمكم الله – أن الله جل وعلا أمركم بأمر تزداد به حسناتكم، وترفع به درجاتكم، وتمحى به خطاياكم، فقال سبحانه: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا}.
وقال نبينا ﷺ: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرًا).
فاللهم صلِّ على محمد....