من فضائل الحج إلى البيت الحرام

الشيخ علي بن يحي الحدادي

الخطبة الأولى:

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ الْحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ وَأَجَلِّ الْقُرُبَاتِ، جَعَلَهُ اللَّهُ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ دِينِهِ، وَفَرَضَهُ عَلَيْهِمْ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَنَدَبَهُمْ إِلَى الزِّيَادَةِ وَالِاسْتِكْثَارِ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) أَيْ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنْ كَانَ مُسْتَطِيعًا مِنْهُمْ بِبَدَنِهِ وَمَالِهِ يَجِدُ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ. ثُمَّ نَبَّهَ عِبَادَهُ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا شَرَعَ الْحَجَّ لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ أَنْفُسِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ طَائِعٍ كَمَا لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ عَاصٍ وَلِذَا قَالَ سُبْحَانَهُ (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الْحَجَّ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا الْمُسْلِمُ إِلَى رَبِّهِ فَإِنَّهُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْعَظِيمَةِ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ: قَالَ ﷺ: (الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا: قَالَ ﷺ: (مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَهُوَ فِي الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: فَقَدْ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ (إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمَّا اسْتَأْذَنَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْجِهَادِ قَالَ لَهَا: “لَا. لَكُنَّ أَفْضَلُ الْجِهَادِ، حَجٌّ مَبْرُورٌ”. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللَّهِ، دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ، وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ” رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

وَمَنْ مَاتَ فِي إِحْرَامِهِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَقْعَصَتْهُ أَيْ فَقَتَلَتْهُ فِي الْحَالِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ بِثَوْبَيْهِ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا تُحَنِّطُوهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا. متفق عليه.

وَمِنْ بَرَكَاتِ الْحَجِّ أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَالْمَالِ وَالْغِنَى مَعَ مَا فِيهِ مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ ” رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

فَهَنِيئًا لِمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ وَاعْتَمَرَ مُخْلِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، مُتَّبِعًا هَدْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
.

.

.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَحُجُّوا بَيْتَهُ الْحَرَامَ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ كَمَا قَالَ ﷺ “الْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ”. وَهَذَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ فَإِنَّ الْحَجَّ فِيهِ مَشَقَّةٌ بَالِغَةٌ وَلَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ يَسْكُنُ فِي الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ. فَمَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْوُجُوبِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ إِلَيْهِ وَلَا يُؤَخِّرَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ قَالَ ﷺ (تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَ بِالْأَنْظِمَةِ الَّتِي وَضَعَتْهَا الدَّوْلَةُ وَفَّقَهَا اللَّهُ مُرَاعَاةً لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَعَلَى رَأْسِهَا اسْتِخْرَاجُ تَصْرِيحِ الْحَجِّ وَاجْتِنَابُ الْحَجِّ بِدُونِهِ، طَاعَةً لِوَلِيِّ الْأَمْرِ، وَتَوْسِعَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ.

رَزَقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمُ الْفِقْهَ فِي دِينِهِ، وَالْوُقُوفَ عِنْدَ حُدُودِهِ، وَالْعَمَلَ بِمَا يُرْضِيهِ.

الدعاء ...